قراءة تاريخية وقانونية واستراتيجية في إشكالية السيادة وتصفية الاستعمار
بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي .. جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
مقدمة: حين تتحول الزيارة الملكية إلى رسالة سيادية، لا يمكن اعتبار زيارة ملك إسبانيا فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية مجرد نشاط بروتوكولي في جدول المؤسسة الملكية الإسبانية؛ بل إنها، في سياق العلاقات المغربية الإسبانية، فعل سياسي يحمل رسائل تتجاوز حدود المناسبة، ويعيد إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين وهي مسألة السيادة على مدينتين تقعان في الساحل الشمالي المغربي، وترتبطان بتاريخ طويل من التوسع الإيبيري، والتحولات السياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتباين التصورات المغربية والإسبانية بشأن الحدود والشرعية التاريخية والقانونية.
وقد اكتسبت الزيارة دلالتها الخاصة لأنها تأتي في وقت تسعى فيه مدريد إلى تأكيد اندماج المدينتين في بنيتها السياسية والمؤسساتية، بينما يتمسك المغرب بموقفه الرافض لاستمرار وضع يعتبره امتداداً لإرث تاريخي لم يُطوَ نهائياً. ولذلك لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن السياق الإقليمي، ولا عن التحولات التي تعرفها العلاقات الثنائية، ولا عن التنافس الاقتصادي والاستراتيجي في غرب المتوسط.
إن العبارة المركزية التي يؤطر بها هذا المقال مقاربته، «الزيارة لا تصنع الشرعية للاستعمار»، فهي ليست حكماً قانونياً نهائياً على الوضع الدولي لسبتة ومليلية، بقدر ما هي أطروحة سياسية نقدية تؤكد أن الرمزية السيادية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لإنهاء النقاش التاريخي أو إغلاق باب المساءلة السياسية. فالزيارة الملكية قد تؤكد موقف الدولة الإسبانية من المدينتين، لكنها لا تنشئ بذاتها سنداً قانونياً جديداً، ولا تحسم تلقائياً كل الاعتراضات التاريخية والسياسية المغربية.

وفي المقابل، فإن قوة الموقف المغربي لا تتحقق من خلال استعادة الذاكرة التاريخية أو تكرار خطاب المطالبة فقط؛ بل تتطلب بناء ملف علمي وقانوني متماسك، يميز بين الوقائع التاريخية والاتفاقيات، وبين السيطرة الفعلية والاعتراف الدولي، وبين المطلب السياسي وإمكانات تفعيله في القانون الدولي.
وعلى هذا الاساس، ينطلق هذا المقال من أربعة أسئلة مترابطة: كيف تشكل الوضع التاريخي لسبتة ومليلية؟ وما حدود الاستناد إلى القانون الدولي في معالجة النزاع؟ وما الرسائل السياسية التي تحملها الزيارة الملكية الإسبانية؟ ثم ما الاستراتيجية التي يستطيع المغرب اعتمادها لتحويل مطلبه التاريخي إلى قضية ذات حضور دبلوماسي وعلمي مستدام؟
ان الأطروحة الأساسية هي أن النزاع لا يمكن اختزاله في مواجهة خطابية بين دولتين، ولا في مجرد استعراض للسيادة؛ إنه قضية مركبة تتداخل فيها الذاكرة التاريخية، والاتفاقيات الدولية، وموازين القوة، ومفاهيم السيادة وتقرير المصير، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والأمنية التي تجعل المدينتين جزءاً من معادلة أوسع في غرب البحر الأبيض المتوسط.
أولاً: سبتة ومليلية في التاريخ: من التوسع الإيبيري إلى استقلال المغرب، انه لا يمكن فهم الخلاف المغربي الإسباني حول سبتة ومليلية من دون العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكلت فيه السيطرة الإيبيرية على أجزاء من الساحل الشمالي للمغرب. فالموقع الجغرافي للمدينتين، المطلّ على مضيق جبل طارق وغرب البحر الأبيض المتوسط، منحهما أهمية عسكرية وتجارية واستراتيجية جعلتهما محوراً للتنافس بين القوى المتوسطية. فقد احتلت البرتغال مدينة سبتة سنة 1415م، في سياق التوسع البرتغالي خارج شبه الجزيرة الإيبيرية. ثم انتقلت المدينة إلى التاج الإسباني مع الاتحاد بين التاجين البرتغالي والإسباني، قبل أن تستمر تحت الحكم الإسباني بعد استعادة البرتغال استقلالها سنة 1640م، وهو الوضع الذي أقرته معاهدة لشبونة سنة 1668م. أما مليلية، فقد فرضت إسبانيا سيطرتها عليها سنة 1497م، ضمن مسار توسعها في الساحل الشمالي الإفريقي.
لذلك، لا يمكن النظر إلى هذه التحولات باعتبارها وقائع معزولة فقط؛ فقد ارتبطت بتحولات أوسع في موازين القوة بين ضفتي المتوسط، وبصراع طويل على الموانئ والمواقع الساحلية والتحكم في طرق الملاحة.
وفي هذا السياق، كانت السيطرة على المدينتين جزءاً من استراتيجية إيبيرية لتثبيت مواقع متقدمة في شمال إفريقيا. الا أن استحضار هذا التاريخ لا يكفي وحده للحسم في الوضع القانوني المعاصر. فالتاريخ يقدم عناصر أساسية لفهم نشأة النزاع، لكنه لا يعفي الباحث من فحص المعاهدات والوثائق والممارسة الدولية اللاحقة. كما أن استمرار السيطرة على إقليم ما مدة طويلة لا يحسم، في كل الحالات، كل الحجج المتعلقة بأصل السيادة أو مشروعيتها؛ إذ يتوقف التقييم القانوني على طبيعة السندات، والاتفاقيات، والاعترافات، والاعتراضات، والسلوك الدولي ذي الصلة.
1. من التوسع الإيبيري إلى تشكل الحدود، ان سبتة تقدم مثالاً واضحاً على تداخل التاريخ البرتغالي والإسباني في شمال المغرب. فقد مثل احتلالها سنة 1415م منعطفاً في تاريخ التوسع البرتغالي، ثم أفضت التحولات السياسية في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى استمرار المدينة تحت الحكم الإسباني بعد سنة 1640م. وتوضح دراسة “أنطونيو خوسيه رودريغيز هيرنانديز” التحولات التي عرفتها سبتة في الفترة الممتدة بين 1640م و1665م، في سياق الانتقال من الارتباط بالتاج البرتغالي إلى تثبيت الحكم الإسباني.¹
أما مليلية، فقد دخلت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497م. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت المدينة جزءاً من شبكة المواقع التي اعتمدت عليها إسبانيا في شمال المغرب، في إطار تنافس لم يقتصر على المجال العسكري، بل امتد إلى التجارة والتحكم في الموانئ ومراقبة الحركة البحرية. ومع مرور القرون، تحولت السيطرة العسكرية إلى وضع إداري وسياسي أكثر استقراراً، ثم أصبحت المدينتان جزءاً من النظام السياسي الإسباني المعاصر. وتستند مدريد إلى هذا الامتداد التاريخي، وإلى تطور مؤسسات الحكم والاتفاقيات ذات الصلة، لتأكيد أن المدينتين جزء من أراضيها. لكن الموقف المغربي ينطلق من قراءة مختلفة تماما، حيث ترى أن استمرار السيطرة الإسبانية لا ينهي النقاش المتعلق بالخلفية التاريخية والسياسية للوجود الإسباني في الساحل الشمالي للمغرب. وقد تمسك المغرب بالمطالبة بالمدينتين منذ استقلاله سنة 1956، كما توضح دراسة “جيمي ترينيداد” حول المطالب المغربية بالأقاليم الإسبانية المتبقية في إفريقيا.²
وبناء على ذلك، وجب التمييز بين أمرين اساسيين: وجود مطالبة سياسية وتاريخية مغربية من جهة، ومدى قوة حججها في ميزان القانون الدولي من جهة أخرى. فالأول ثابت بوصفه موقفاً سياسياً مغربياً، أما الثاني فيحتاج إلى دراسة قانونية متخصصة لا تكتفي بالانتماء الجغرافي أو الذاكرة التاريخية أو توصيف الوجود الإسباني بأنه استعماري.
2. معاهدة واد راس وسؤال حدود السند التاريخي، تحتل معاهدة واد راس، الموقعة في 26 أبريل 1860م عقب الحرب المغربية الإسبانية، مكانة أساسية في النقاش المتعلق بالعلاقات الحدودية بين البلدين. وتستحضرها إسبانيا ضمن حججها التاريخية والقانونية، فيما يظل من الضروري فحص نصها الأصلي، وبنودها المتعلقة بالمجالات الترابية، والالتزامات التي ترتبت عنها، ومدى اتصالها بكل إقليم على حدة. فلا يكفي الاستشهاد باسم المعاهدة لإثبات جميع الادعاءات المتعلقة بالسيادة، كما لا يكفي تجاهلها أو التقليل من شأنها لإبطال الحجج الإسبانية. كنا ان المقاربة العلمية تقتضي الرجوع إلى النص الأصلي، وتحليل سياق توقيعه، وطبيعة موازين القوة التي أحاطت به، والتمييز بين البنود التي تتعلق بحدود معينة وتلك التي يمكن أن يستند إليها أحد الطرفين في مطالب أوسع.
ان هذا التمييز مهم لأن المعاهدات التاريخية لا تُقرأ بمعزل عن نصوصها، ولا عن السياق الذي أُبرمت فيه، ولا عن الممارسة الدولية اللاحقة. كما أن تقييمها في ضوء القانون المعاصر يتطلب الحذر من إسقاط المفاهيم الحالية على واقع القرن التاسع عشر بصورة آلية.
لذلك، فإن استحضار معاهدة واد راس ينبغي أن يكون مدخلاً للتحقيق القانوني والتاريخي، لا خاتمة له. بل لا بد من دراسة العلاقة بين المعاهدة ووضع سبتة ومليلية تحديداً، بدلاً من التعامل معها باعتبارها حجة شاملة تحسم كل عناصر النزاع.
3. استقلال المغرب سنة 1956، نهاية الحماية أم نهاية كل القضايا الترابية؟ لقد أعاد استقلال المغرب سنة 1956 تشكيل الإطار السياسي والقانوني للعلاقات المغربية الإسبانية، وأنهى نظام الحماية في المناطق التي شملها الاستقلال. لكنه لم يؤدِّ تلقائياً إلى تسوية جميع المسائل الترابية العالقة بين البلدين. ومن خلال ذلك، تظهر إحدى مفارقات التاريخ السياسي، فقد استعادت الدولة المغربية استقلالها وأعادت بناء مؤسساتها، بينما بقيت سبتة ومليلية تحت الإدارة الإسبانية. وتحول هذا الوضع، على اثر ذلك، الى أحد الملفات المؤثرة في تصور المغرب لوحدة مجاله الترابي، وفي علاقته بجاره الأوروبي.
ومع ذلك، فانه لا يمكن افتراض أن إنهاء الحماية يعني بالضرورة إلغاء كل وضع ترابي نشأ قبلها؛ لان ذلك يتوقف على طبيعة الإقليم، والأساس القانوني للسيادة، والاتفاقيات ذات الصلة، والممارسة الدولية. ومن ثم، فإن المطالبة المغربية تحتاج إلى ملف مستقل لكل إقليم، يوضح الأساس التاريخي والقانوني للمطلب، ويفحص الحجج المقابلة، ويحدد المسارات الممكنة لتناوله دبلوماسياً.
إن قيمة التاريخ هنا ليست في إنتاج خطاب تعبوي فقط، وإنما في توفير المادة الوثائقية اللازمة لصياغة موقف وطني متماسك، قادر على مواجهة الاعتراضات القانونية والسياسية، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الموقف المبدئي.
ثانياً: الزيارة الملكية الإسبانية، الرمزية السيادية وحدود أثرها القانوني، تكتسب زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة، يوم 13 أكتوبر 2026، أهميتها من كونها أول زيارة لملك إسبانيا إلى المدينة منذ سنة 2007، وهو سياق يتسم بتوترات حول تدبير الحدود والهجرة والعلاقات الثنائية. وقد أفادت وكالة رويترز بأن الزيارة جاءت وسط احتكاكات سياسية خطيرة بين مدريد والرباط، وأن الملك والملكة زارا مقبرة إسلامية دُفن فيها مهاجرون لقوا حتفهم خلال محاولة عبور جماعي في تموز/ يوليو 2026.
انه لا يمكن اختزال هذه الزيارة في فعل سياحي أو مناسبة بروتوكولية؛ فحضور رأس الدولة الإسبانية في المدينتين يحمل رسالة واضحة إلى الداخل الإسباني، وإلى سكان المدينتين، وإلى الرأي العام الأوروبي والدولي: أن مدريد تعتبر سبتة ومليلية جزءاً من مجالها السيادي، وأن المؤسسة الملكية تؤكد هذا التصور. الا أن القراءة السياسية للزيارة تقتضي التمييز بين تأكيد موقف قائم وبين إنشاء حق جديد. فالزيارة لا تُعد معاهدة دولية، ولا قراراً قضائياً، ولا إجراءً دولياً لتسوية النزاعات الترابية. بل هي، من حيث طبيعتها، ممارسة سياسية ورمزية تعكس موقف الدولة التي يقوم ممثلها بزيارة الإقليم. ومن ثم، فإن الزيارة لا تمنح إسبانيا سنداً قانونياً جديداً، كما أنها لا تلغي المطالبة المغربية. وفي مقابل ذلك، لا يؤدي الاعتراض المغربي وحده على الزيارة إلى تغيير الوضع القانوني القائم. فالأثر القانوني لأي مطالبة أو ممارسة يتحدد وفق القواعد ذات الصلة، وطبيعة الفعل، وسياقه، ومدى اعتباره ذا دلالة قانونية، وليس بمجرد قوته الرمزية.
1. الزيارة باعتبارها خطاباً موجهاً إلى الداخل والخارج،
ان الزيارات الملكية في الأنظمة السياسية تؤدي وظيفة تتجاوز الحضور الشخصي؛ فهي تساعد على تثبيت الرواية الرسمية للدولة، وإظهار استمرار التزام مؤسساتها بمواقف محددة. وفي حالة سبتة ومليلية، تكتسب هذه الوظيفة أهمية إضافية بسبب حساسية الملف في الوعي السياسي الإسباني والمغربي. فداخلياً، تسعى الزيارة إلى تأكيد ارتباط المدينتين بالدولة الإسبانية، وإلى تعزيز شعور سكانهما بأنهما تحظيان باهتمام المؤسسة الملكية. وخارجياً، توجه رسالة إلى المغرب مفادها أن مدريد لا تنوي التعامل مع المدينتين باعتبارهما ملفاً مفتوحاً للتفاوض حول السيادة في الوقت الراهن.
وقد أكدت الحكومة الإسبانية، في تصريحات رسمية خلال سنة 2026، تمسكها بسيادتها على المدينتين. كما نقلت وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» في غشت 2026 رفض مدريد للمطالب المغربية المتعلقة بهما.⁴ لكن هذا التشدد يجب أن لا يدفع إلى قراءة الزيارة باعتبارها إعلاناً عن نهاية النقاش التاريخي. فالدول قد تؤكد مواقفها بقوة، ومع ذلك تظل الخلافات السياسية قائمة. والتأكيد السيادي لا يعادل التسوية المتفق عليها، كما أن استمرار المطالبة لا يعني تحققها.
2. هل يمكن للرمزية السياسية أن تحل محل التسوية القانونية؟ ان الرمزية السياسية تؤثر في الرأي العام، وتدعم الرواية الرسمية، وقد تهيئ البيئة الداخلية لتشدد الدولة في المفاوضات؛ لكنها لا تقوم مقام الأدوات القانونية التي تتطلبها تسوية النزاعات الدولية. وفي حالة سبتة ومليلية، يتعين الفصل بين ثلاثة مستويات:
المستوى السياسي: ويتمثل في مواقف المغرب وإسبانيا، والزيارات الرسمية، والتصريحات الحكومية، والرسائل الموجهة إلى الرأي العام.
المستوى التاريخي: ويشمل مسار السيطرة على المدينتين، والاتفاقيات والوثائق التي شكلت الوضع القائم، والتفسيرات المختلفة لذلك المسار.
المستوى القانوني الدولي: ويتعلق بالسندات القانونية، وقواعد السيادة الإقليمية، وتفسير المعاهدات، والممارسة الدولية، وإمكانات التسوية السلمية للنزاع.
إن الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى خطاب سياسي قد يكون قوياً من حيث التعبئة، لكنه ضعيف من حيث البرهنة. أما المقاربة العلمية فتقتضي التعامل مع كل مستوى بأدواته الخاصة، ثم البحث في نقاط التفاعل بينها.
وعليه، فإن زيارة ملك إسبانيا قد تعزز الموقف السياسي الإسباني وتؤكد تمسك مدريد بالوضع القائم، لكنها لا تحسم كل النقاشات التاريخية والقانونية المحيطة بالمدينتين. وبالمثل، فإن الموقف المغربي يحتاج إلى بناء حججه بصورة مستقلة بعيدا عن الاعتراض على الزيارة.
ثالثاً: سبتة ومليلية في ميزان القانون الدولي، بين السيادة وتصفية الاستعمار، في هذا السياق، يمثل القانون الدولي الإطار الأكثر حساسية في هذا الملف، لأن المسألة لا تتعلق فقط بذاكرة تاريخية أو بمطلب سياسي، بل بوضع إقليمي قائم تدافع عنه إسبانيا، وتطالب المغرب بمراجعته. لذلك يقتضي التحليل القانوني الحذر من استخدام مفاهيم مثل «الاحتلال» و«الاستعمار» و«تقرير المصير» بوصفها مترادفات. فلكل مفهوم نطاق قانوني وتاريخي خاص به، ولا يكفي إطلاق وصف سياسي على إقليم لإثبات انطباق جميع القواعد المرتبطة به.
1. مبدأ السيادة الإقليمية، تستند إسبانيا في دفوعاتها إلى سيطرتها الفعلية والمستمرة على سبتة ومليلية، وإلى إدماجهما في نظامها الدستوري والإداري، وإلى ما تعتبره سنداً تاريخياً وقانونياً لسيادتها. وتؤكد مدريد أن المدينتين جزء من أراضيها، وهو موقف تعبر عنه في تصريحاتها الرسمية وفي ممارستها الإدارية والسياسية.
أما المغرب، فيتمسك بمطالبته بالمدينتين انطلاقاً من رؤيته لتاريخه الترابي، وموقعهما الجغرافي على الساحل الشمالي للمملكة، وما يعتبره استمراراً لوضع تاريخي غير محسوم سياسياً. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي، في القانون الدولي، لإثبات السيادة. كما أن السيطرة الفعلية لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها بديلاً آلياً عن دراسة السند القانوني. ويتطلب الفصل في أي نزاع ترابي فحص مجموعة من العناصر، من بينها الاتفاقيات ذات الصلة، والوثائق التاريخية، وطبيعة ممارسة السلطة، والمواقف الرسمية، ومدى وجود اعتراف أو اعتراض من الدول المعنية. وتبين دراسة “جيمي ترينيداد” أن المطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية واجهت اعتراضات قانونية جدية في الأدبيات المتخصصة، وأن قوة المطالبة تختلف باختلاف الإقليم والحجج المطروحة.⁵ وتستدعي هذه النتيجة، مهما اختلفت المواقف منها، التعامل مع الملف بمنهج علمي يختبر الحجج ولا يفترض صحتها مسبقاً.
2. مبدأ تصفية الاستعمار وقرار الجمعية العامة 1514،
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1960 القرار رقم 1514 (د-15)، المعروف بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة. وقد أصبح القرار مرجعاً أساسياً في تطور القانون الدولي المتعلق بتصفية الاستعمار وتقرير المصير.⁶ غير أن الاستناد إلى هذا القرار في حالة سبتة ومليلية يطرح سؤالاً أساسياً: هل ينطبق الإطار الأممي لتصفية الاستعمار على المدينتين وفق التصنيف والممارسة الدوليين القائمين؟ فوفق القائمة الرسمية للأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لا ترد سبتة ومليلية ضمن الأقاليم المدرجة حالياً. وتضم القائمة جبل طارق، الذي ظل مدرجاً منذ سنة 1946، لكنها لا تتضمن المدينتين المغربيتين المطالب بهما.⁷ وهذه حقيقة مؤسسية ينبغي التعامل معها بوضوح، بدل تجاهلها أو تقديم الوضع وكأنه محسوم أممياً لصالح الموقف المغربي.
كما لا يعني عدم إدراج المدينتين في القائمة الأممية أن ذلك ينهي، كل نقاش تاريخي أو سياسي حولهما. لكنه يعني في نفس الوقت، أن وصفهما بأنهما إقليمان مدرجان رسمياً ضمن ملف تصفية الاستعمار لدى الأمم المتحدة غير دقيق. ومن هنا، فإن بناء حجة مغربية في هذا المجال يحتاج إلى توضيح الأساس القانوني الذي يستند إليه المطلب، وإلى بيان المسار الذي يمكن من خلاله طرحه على المستوى الدولي.
والأهم من ذلك، أن القرار 1514 لا ينبغي توظيفه بطريقة آلية؛ فالتطبيق القانوني لأي قاعدة يتوقف على نطاقها وشروطها والوقائع التي تنطبق عليها. ولا يكفي وجود تاريخ من التوسع العسكري أو السيطرة الأجنبية للقول إن كل إقليم يخضع تلقائياً لمسار أممي واحد لتصفية الاستعمار.
3. المقارنة مع جبل طارق، أوجه التشابه وحدود القياس، تستحضر بعض المقاربات قضية جبل طارق للمقارنة مع سبتة ومليلية. غير أن المقارنة، على الرغم من فائدتها السياسية، لا تعني تطابق الوضع القانوني.
فجبل طارق مدرج في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتتناول الأمم المتحدة وضعه ضمن إطار خاص لتصفية الاستعمار. أما سبتة ومليلية فلا تردان في القائمة نفسها.⁷
وبالتالي، فإن اختلاف التصنيف الأممي يفرض على الباحث التمييز بين الحالتين، بدلاً من افتراض أن القواعد والإجراءات نفسها تنطبق عليهما بالضرورة. ويمكن الاستفادة من المقارنة في دراسة السياسات الاستعمارية وتاريخ الحدود، لكن لا يجوز تحويلها إلى برهان قانوني جاهز.
إن قوة أي حجة قانونية لا تقاس بمدى تشابهها الخطابي مع قضية أخرى، بل بمدى انطباق الوقائع والقواعد والسندات القانونية ذات الصلة عليها.
4. ما الذي يترتب على ذلك بالنسبة إلى الموقف المغربي؟ يترتب على هذه المعطيات أن الموقف المغربي يحتاج إلى مسار متعدد المستويات:
أولاً، جمع الوثائق التاريخية والمعاهدات والنصوص القانونية ذات الصلة، مع تحقيقها ونشرها في دراسات علمية موثقة.
ثانياً، تحليل الحجج الإسبانية بصورة مباشرة، ولا سيما ما يتعلق بالمعاهدات والسيطرة المستمرة والإدماج الدستوري والإداري، بدلاً من الاكتفاء بتكرار الموقف المغربي.
ثالثاً، تحديد المسارات الدبلوماسية والقانونية الممكنة، مع مراعاة أن اللجوء إلى القضاء الدولي لا يتم بمجرد رغبة طرف واحد في جميع الحالات؛ إذ يتوقف الاختصاص القضائي على شروطه والأساس القانوني الذي يجيزه.
رابعاً، التمييز بين المطالبة السياسية طويلة الأمد وبين الخيارات العملية المتاحة في كل مرحلة من مراحل العلاقات الثنائية.
وبذلك يصبح الموقف المغربي أكثر قدرة على الانتقال من الخطاب التاريخي إلى الحجة المؤسسية والقانونية، دون التنازل عن الموقف الوطني أو المبالغة في وصف ما يتيحه القانون الدولي.
رابعاً: الزيارة الملكية في سياق التوترات المغربية الإسبانية، انه لا يمكن فهم زيارة 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 بمعزل عن التوترات التي سبقتها. فقد ربطت رويترز الزيارة بارتفاع حدة الاحتكاك بين مدريد والرباط على خلفية تدبير الحدود والهجرة، وأشارت إلى أن الزيارة جاءت في سياق سياسي داخلي إسباني حساس.³
وتكشف هذه المعطيات أن ملف سبتة ومليلية لا يتحرك في فراغ؛ فهو يتقاطع مع ملفات الهجرة، والأمن، والتعاون الحدودي، والعلاقات الاقتصادية، وتوازنات الاتحاد الأوروبي في الضفة الجنوبية للمتوسط.
1. الهجرة: من ملف إنساني إلى ورقة ضغط سياسي،
فقد أصبحت الحدود المحيطة بسبتة ومليلية خلال السنوات الأخيرة نقطة تماس بين سياسات الهجرة الأوروبية، والتعاون الأمني المغربي الإسباني، والاعتبارات الإنسانية المرتبطة بحركة الأشخاص.
وتظهر الأحداث التي سبقت الزيارة كيف يمكن لأزمة حدودية أن تتحول إلى مادة في النقاش السياسي الداخلي الإسباني، وأن تدفع القوى السياسية إلى توظيف قضية السيادة في التنافس الحزبي. وقد ربطت التغطية الصحفية للزيارة بين حضور الملك والملكة وبين الجدل حول إدارة الحكومة الإسبانية للحدود.³ لكن تحويل الهجرة إلى أداة للضغط المتبادل يحمل مخاطر على الطرفين. فالمغرب وإسبانيا يحتاجان إلى التعاون في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وحماية الأرواح، وتدبير الحدود، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة. وفي المقابل، لا ينبغي أن يصبح التعاون الأمني مدخلاً لتجاهل الملفات السياسية العالقة أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى. والأكثر أهمية أن المهاجرين لا يمكن اختزالهم في أرقام أو أدوات تفاوضية؛ فالمقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية، لا تلغي الالتزامات الإنسانية والقانونية المتعلقة بحماية الحياة والكرامة.
2. العلاقات المغربية الإسبانية: فالتعاون لا يلغي الخلاف، فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وجغرافية تجعل استمرار التعاون ضرورة للطرفين. لكن التعاون لا يعني أن الخلافات التاريخية قد انتهت، كما أن وجود خلاف حول السيادة لا يقتضي إغلاق جميع قنوات الحوار. فالعلاقات الدولية لا تقوم دائماً على التطابق الكامل في التصورات، وإنما يمكن أن تستند إلى إدارة الاختلاف، وتحديد مجالات التعاون، ومنع الخلافات من التحول إلى أزمات مفتوحة.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للمغرب أن يجعل كل علاقة اقتصادية أو أمنية بإسبانيا رهينة ملف سبتة ومليلية، كما لا ينبغي أن يسمح بأن يتحول التعاون إلى غطاء لتجاهل المطالب السياسية المغربية. فالمطلوب هو بناء معادلة واضحة: تعاون متوازن في الملفات المشتركة، مع الحفاظ على الموقف الوطني من القضايا الترابية.
ويقتضي ذلك أن تكون الدبلوماسية المغربية قادرة على الفصل بين الملفات دون عزلها بعضها عن بعض؛ فالتعاون الأمني قد يستمر، بينما يبقى النقاش الترابي قائماً، كما يمكن للعلاقات الاقتصادية أن تتطور دون أن يعني ذلك التنازل عن المطالب التاريخية.
3. هل تعني الزيارة إغلاق باب الحوار؟ انه لا يمكن الجزم بأن الزيارة الملكية تعني إغلاق باب الحوار نهائياً؛ لكنها تشير إلى أن مدريد لا ترغب، في المرحلة الحالية، في التعامل مع مسألة السيادة باعتبارها موضوعاً قابلاً للتفاوض. وقد نقلت وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» في غشت 2026 رفض مدريد للمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية.⁴ وهذا الموقف يحد من فرص فتح مفاوضات مباشرة حول السيادة في المدى القريب، لكنه لا يلغي الحاجة إلى إدارة الخلافات الأخرى أو إلى استمرار الحوار الدبلوماسي. وفي المقابل، لا يمكن للمغرب أن يعتمد على انتظار تغير الموقف الإسباني وحده. فالمطلوب هو بناء استراتيجية طويلة الأمد تتضمن البحث العلمي، والتوثيق، والدبلوماسية، والتنمية الاقتصادية، والتواصل الدولي، مع تجنب التصعيد غير المحسوب.
إن الزيارة، بهذا المعنى، لا ينبغي أن تكون نهاية التفكير المغربي في الملف، بل مناسبة لإعادة تقييم أدوات المطالبة، ومدى قدرتها على التأثير، والخيارات المتاحة لتعزيز الموقف المغربي في الأجلين المتوسط والبعيد.
خامساً: ما الاستراتيجية المغربية الممكنة؟ من الذاكرة التاريخية إلى بناء القوة، انه إذا كانت الزيارة الملكية الإسبانية تؤكد موقف مدريد، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى المغرب ليس كيف يرد على الزيارة فقط، وإنما كيف يحول هذا الحدث إلى مناسبة لمراجعة استراتيجية تعامله مع ملف سبتة ومليلية. فالمطالبة الترابية لا تتقدم بمجرد قوة الخطاب، بل تحتاج إلى تضافر المعرفة التاريخية، والبحث القانوني، والدبلوماسية، والتنمية، والقدرة على بناء سردية وطنية واضحة ومقنعة دولياً.
1. بناء ملف تاريخي وقانوني متكامل، لان الخطوة الأولى هي تأسيس قاعدة وثائقية موحدة تضم المعاهدات والاتفاقيات والمراسلات الدبلوماسية والخرائط والتقارير الرسمية والنصوص القانونية ذات الصلة. ولا ينبغي أن يكون الهدف جمع الوثائق فقط، بل فحصها نقدياً، وتحديد طبيعة كل وثيقة وقيمتها القانونية، والتمييز بين ما يثبت واقعة تاريخية وما يمكن أن ينهض دليلاً في مسألة السيادة. ويتطلب ذلك تعاوناً بين المؤرخين والقانونيين والجغرافيين والباحثين في العلاقات الدولية، مع الاستفادة من الأرشيفات المغربية والإسبانية والبرتغالية والفرنسية والبريطانية، بحسب طبيعة الوثائق المطلوبة. كما ينبغي إخضاع الحجج المغربية لمراجعة علمية مستقلة، لا بهدف إضعاف المطالبة، وإنما بهدف تعزيزها وتحديد نقاط القوة والضعف فيها. فالحجة التي تستطيع مواجهة الاعتراضات بوضوح تكون أكثر جدية من خطاب يكتفي بتأكيد الموقف المسبق. ومن الضروري أيضاً إعداد دراسات متعددة اللغات، ولا سيما بالعربية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية، حتى لا يبقى النقاش محصوراً في المجال الوطني أو في الكتابات الموجهة إلى جمهور مغربي فقط.
2. دبلوماسية هادئة وثابتة، حيث ينبغي أن يكون الموقف المغربي واضحاً في مبادئه، لكنه مرن في أدواته. فالتشدد في المبدأ لا يفرض بالضرورة التصعيد في كل مناسبة، كما أن التفاوض لا يعني التنازل عن المطالب.
ومن شأن الدبلوماسية الهادئة أن تحافظ على الملف حاضراً في النقاشات الثنائية، وأن تمنع تحوله إلى مجرد شعار موسمي يُستحضر عند وقوع أزمة ثم يتراجع إلى الهامش.
وفي هذا الصدد، يمكن أن تقوم هذه الدبلوماسية على ثلاثة مستويات:
المستوى الثنائي: إبقاء قنوات الحوار مفتوخة مع إسبانيا، مع التمييز بين التعاون العملي والخلاف حول السيادة.
المستوى الأوروبي: توضيح أبعاد الملف في إطار العلاقات المغربية الأوروبية، دون افتراض أن الاتحاد الأوروبي سيتبنى تلقائياً الموقف المغربي أو أن الخلاف يمكن حسمه من خلال المؤسسات الأوروبية وحدها.
المستوى الدولي: تعزيز المعرفة بالملف من خلال الدراسات والندوات والوثائق، والبحث في إمكانات طرحه في الأطر الدولية الملائمة، وفقاً للقواعد والإجراءات المعمول بها.
ولا يعني هذا المسار أن الوصول إلى تسوية قريبة أمر مضمون، بل إن قيمته تكمن في الحفاظ على استمرارية المطالبة وتطوير أدواتها.
3. التنمية الاقتصادية في شمال المغرب، فلا ينبغي التعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مسألة تاريخية فقط؛ فالمجال الجغرافي المحيط بهما يشهد تحولات اقتصادية ولوجستية يمكن أن تؤثر في توازنات المنطقة.
ويقدم ميناء طنجة المتوسط مثالاً على توسع القدرات اللوجستية المغربية. وتشير البيانات الرسمية للميناء إلى أن نشاط النقل البري البحري (Ro-Ro) يشكل أحد مكوناته الأساسية، في إطار الربط بين المغرب وعدد من الموانئ الأوروبية.⁸ غير أن التنمية الاقتصادية لا ينبغي تقديمها باعتبارها وسيلة آلية لإضعاف سبتة ومليلية أو إزاحة دورهما الاقتصادي. فالعلاقات بين الموانئ والمراكز التجارية ليست دائماً علاقة صفرية، وقد تستفيد الأطراف المختلفة من تكامل الخدمات والبنية التحتية وشبكات النقل.
ان الهدف الاستراتيجي الأكثر واقعية هو تقوية الاقتصاد المغربي في الشمال، وتحسين فرص الشغل، وتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية، ورفع جاذبية المدن المغربية القريبة من المدينتين. فكلما ازدادت قوة المجال الاقتصادي المغربي، اتسعت خيارات الدولة في التفاوض والتعاون، وأصبحت أكثر قدرة على حماية مصالحها. لكن التنمية يجب أن تستهدف المواطن المغربي أولاً، لا أن تختزل في منافسة رمزية مع المدينتين.
4. الجامعة المغربية ومسؤولية البحث العلمي، لا يمكن بناء موقف وطني متماسك في ملف بهذا التعقيد دون مساهمة فعالة من الجامعة المغربية. فالمطلوب ليس إنتاج خطاب تعبوي فقط، بل تطوير بحوث محكمة في تاريخ الحدود المغربية الإسبانية، وتاريخ العلاقات المغربية الإيبيرية، والقانون الدولي للسيادة الإقليمية، وتاريخ المعاهدات، والجغرافيا السياسية لمضيق جبل طارق. ويمكن للجامعات المغربية أن تعمل على إنشاء مشاريع بحثية مشتركة بين تخصصات التاريخ والقانون والعلوم السياسية والجغرافيا، مع إتاحة الوثائق للباحثين، وتشجيع الرسائل الجامعية، وتنظيم ندوات علمية دولية، ونشر نتائج البحوث بلغات متعددة.
كما ينبغي ألا تُحجب الحجج المخالفة أو الدراسات التي تنتقد المطالب المغربية؛ فالمعرفة العلمية لا تتقدم بالإقصاء، بل باختبار الأدلة والرد على الاعتراضات. وكلما كانت الدراسة أكثر استقلالاً وصرامة، ازدادت قدرتها على الإقناع خارج حدود جمهورها الوطني.
إن تحويل الجامعة إلى فضاء لإنتاج المعرفة الموثقة حول القضايا الترابية يمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، يتجاوز أثره ظرفية الزيارات الملكية أو الأزمات السياسية.
5. الإعلام والرأي العام: بين التعبئة والمصداقية،
ذلك ان، وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية مهمة في تقديم ملف سبتة ومليلية للرأي العام المغربي والدولي. لكن هذه المسؤولية لا تعني أن يتحول الإعلام إلى أداة لتكرار الشعارات، أو أن يتعامل مع كل حدث بوصفه انتصاراً أو هزيمة نهائية. فالتغطية المهنية ينبغي أن تميز بين الموقف المغربي والموقف الإسباني، وأن توضح ما هو ثابت تاريخياً، وما هو محل خلاف قانوني، وما هو مجرد قراءة سياسية أو توقع مستقبلي. كما ينبغي أن تتيح للرأي العام الاطلاع على الوثائق الأصلية، والنصوص القانونية، والخرائط التاريخية، والدراسات الأكاديمية، مع تجنب تقديم الادعاءات غير الموثقة باعتبارها حقائق نهائية.
إن قوة الخطاب الوطني لا تقاس فقط بقدرته على التعبئة الداخلية، بل أيضاً بقدرته على الصمود أمام الفحص النقدي في الخارج. ولذلك فإن الإعلام الذي يشرح التعقيد ويقدم الأدلة قد يكون أكثر نفعاً للقضية الوطنية من إعلام يكتفي بالتصعيد اللفظي.
6. حماية المصالح الوطنية من منطق رد الفعل، ان من أخطر ما يمكن أن يقع فيه التدبير السياسي لهذا الملف أن تتحول كل زيارة أو تصريح إسباني إلى أزمة ثنائية شاملة، بما يضعف القدرة على إدارة المصالح المشتركة.
فالمغرب وإسبانيا يرتبطان بمصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية كبيرة، وإدارة الخلاف الترابي لا تقتضي تعطيل جميع أشكال التعاون. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التعاون لا ينبغي أن يؤدي إلى تجميد المطالب المغربية أو التخلي عن بحثها.
وتقتضي السياسة الرشيدة أن تكون للمغرب استراتيجية معلنة الأهداف، واضحة الأولويات، قابلة للتقييم، تحدد ما يمكن تحقيقه في المدى القريب، وما يتطلب عملاً طويل الأمد، وما يستلزم بناء توافقات أو إعداد ملفات قانونية إضافية. وبهذا المعنى، فإن الاستراتيجية لا تتمثل في الرد على كل إشارة إسبانية، بل في بناء قدرة وطنية مستمرة على إنتاج المعرفة، وصيانة المصالح، وتطوير أدوات التفاوض، والحفاظ على المطالب في إطار من المسؤولية السياسية والقانونية.
سادساً: الزيارة ومفارقة السيادة في غرب المتوسط، تكشف زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية عن مفارقة أوسع في العلاقات الدولية المعاصرة: فالدول الأوروبية التي تدافع عن قواعد النظام الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها تجد نفسها، في بعض الملفات، أمام مطالب تاريخية وسياسية لا تتفق مع الروايات الرسمية للدول المعنية بها. لكن هذه المفارقة لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام عام أو حكم أخلاقي شامل؛ فكل حالة ترابية تحتاج إلى تحليل مستقل، وتختلف أوضاع الأقاليم باختلاف تاريخها ومعاهداتها وتصنيفاتها الدولية.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في أن الذاكرة التاريخية لا تتطابق دائماً مع الوضع القانوني الراهن، وأن الوضع القانوني الراهن لا ينهي بالضرورة كل أشكال الاعتراض السياسي. وبين الطرفين تتشكل منطقة واسعة من الخلاف والتأويل والمطالبة والتفاوض.
وفي حالة سبتة ومليلية، تتداخل ثلاثة مستويات:
المستوى التاريخي: ويتعلق بالتوسع الإيبيري في شمال إفريقيا، وبنشأة السيطرة على المدينتين وتطورها.
المستوى القانوني: ويتعلق بالسندات والمعاهدات والممارسة الدولية، وبحدود تطبيق قواعد السيادة وتصفية الاستعمار.
المستوى الجيوسياسي: ويتعلق بأهمية المدينتين في أمن الحدود، والهجرة، والتنافس الاقتصادي، والعلاقات المغربية الأوروبية.
ولا يمكن معالجة هذه المستويات كلٌّ بمعزل عن الآخر، كما لا يجوز دمجها في خطاب واحد يفترض أن الحجة التاريخية تحسم القانون، أو أن السيطرة الحالية تنهي النقاش التاريخي والسياسي.
إن الزيارة الملكية الإسبانية تعكس تمسك مدريد بموقفها، لكنها لا تحوّل هذا الموقف إلى تسوية متفق عليها مع المغرب. وفي المقابل، فإن استمرار المطالبة المغربية لا يعفي من ضرورة تقوية الحجج القانونية والعلمية التي يستند إليها هذا المطلب.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي ليس في إثبات أن لكل طرف روايته الخاصة، بل في فهم الأسس التي تقوم عليها تلك الروايات، وتحديد ما يمكن أن تفضي إليه من خيارات سياسية وقانونية واقعية.
في الختام الزيارة لا تنهي التاريخ، والمطالبة لا تعفي من بناء الحجة، إن زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية ليست حدثاً عابراً في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية. فهي تعبير عن موقف سيادي إسباني واضح، ورسالة موجهة إلى الداخل والخارج، وتأكيد على استمرار الخلاف حول مدينتين تحتفظان بموقع حساس في الجغرافيا السياسية لغرب المتوسط. لكن الزيارة، مهما كانت رمزية، لا تنشئ بذاتها سنداً قانونياً جديداً، ولا تنهي المطالبة المغربية. وفي المقابل، لا يكفي الاعتراض السياسي أو استحضار الذاكرة التاريخية وحدهما لإحداث تغيير في الوضع القائم. فالتاريخ يوفر مادة أساسية لفهم النزاع، لكنه لا يحسم السيادة بمفرده، كما أن القانون الدولي يتطلب فحصاً دقيقاً للوثائق والمعاهدات والممارسة الدولية، لا الاكتفاء بالشعارات.
ومن الضروري، في هذا السياق، الحفاظ على التمييز بين الموقف الوطني المغربي الذي يرى في المدينتين جزءاً من المجال الترابي الذي يطالب باستكمال وحدته، وبين التصنيف القانوني الدولي الراهن، الذي لا يدرج سبتة ومليلية ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. إن الاعتراف بهذه الحقيقة المؤسسية لا يعني التخلي عن المطالبة، بل يعني التعامل معها بأدوات علمية وقانونية أكثر دقة. لكن الأهم أن قضية سبتة ومليلية لا ينبغي أن تظل رهينة ردود الفعل الموسمية. فالمطلوب هو بناء استراتيجية طويلة الأمد تجمع بين البحث التاريخي، والتوثيق القانوني، والدبلوماسية الهادئة، والتنمية الاقتصادية، والإعلام المسؤول، والعمل الجامعي متعدد التخصصات.
إن قوة الدول لا تظهر فقط في قدرتها على إعلان مواقفها، بل في قدرتها على بناء الحجج التي تدعم تلك المواقف، وتطوير الأدوات التي تسمح بالدفاع عنها، وتدبير الخلافات بما يحمي مصالحها الاستراتيجية.
لذلك، فإن عبارة «الزيارة لا تصنع الشرعية للاستعمار» تكتسب قيمتها بوصفها موقفاً سياسياً نقدياً يرفض الاعتقاد بأن الرمزية السيادية تكفي لإغلاق النقاش التاريخي. لكنها تكتسب قوة أكبر حين تتحول من شعار إلى برنامج عمل: برنامج يقوم على الوثيقة، والتحليل، والدبلوماسية، والتنمية، والمعرفة. فالزيارة لا تنهي التاريخ، والمطالبة لا تعفي من بناء الحجة، والسيادة لا تُناقش بالشعارات وحدها. وبين هذه الحقائق الثلاث تتحدد مسؤولية المغرب في التعامل مع ملف سبتة ومليلية باعتباره قضية وطنية تحتاج إلى نفس استراتيجي طويل، وإلى عمل مؤسساتي يتجاوز رد الفعل إلى صناعة الموقف.
المصدر: صحيفة قريش- لندن