الحركــــات الإسلاميـــة وســـلاح التكفيـــر

الخميس 19 ديسمبر 2013, 15:30


  • zoom in
  • zoom out
  • bold


جميل حمداوي



عرف واقعنا السياسي المعاصر مجموعة من الحركات والجمعيات الإسلامية التي تجمع بين ما هو ديني وما هو سياسي، تحمل خطاباتها ومؤلفاتها وأوراقها ورسائلها وبياناتها التأسيسية شعارات التغيير والإصلاح والتنوير والتهذيب والإنقاذ، وتحرير المجتمع من شوائب البدع الضالة، وتطهيره من الكفر والزندقة والإلحاد والمروق، بعد أن تفشى الفساد في مجتمعنا على جميع الأصعدة والمستويات، حتى أصبح هذا المجتمع يعيش في جاهلية ثانية أكثر خطورة من الجاهلية الأولى، وقد سماها المفكر المصري الشيخ محمد قطب (جاهلية القرن العشرين)[1]. ومن ثم، فقد كثرت الفرق والحركات والجمعيات الإسلامية الداعية إلى الإصلاح والتغيير. ولم تقف بعض الجمعيات عند البعد الحركي السياسي والديني فقط، بل وصلت إلى الحكم والسلطة ، بعد أن تحولت إلى أحزاب سياسية لها برامج إصلاحية شاملة ، كما هو شأن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، وحزب العدالة والتنمية في تركيا. وينضاف إلى هذا، أن ثمة حركات إسلامية معتدلة ووسطية ، مثل: حزب العدالة والتنمية في المغرب وحركة النهضة في تونس في مقابل حركات متطرفة ، مثل: جماعة التكفير والهجرة ، والسلفية الجهادية، والقاعدة الأفغانية مع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ...لكن ما يميز هذه الحركات المتطرفة الإسلامية اعتمادها على سلاح التكفير في زمن التفكير على حد عنوان كتاب( التفكير في زمن التكفير) لنصر حامد أبو زيد[2].إذاً، ما مفهوم التكفير؟ وما أنواعه؟ وما سياقه التاريخي؟ وما أهم الجمعيات والحركات الإسلامية المعاصرة التي استخدمت سلاح التكفير في وجه الآخر والحاكم والمجتمع على حد سواء؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.

مفهــــوم التكفيـــــر:

يشتق مصدر التكفير من فعل كفر وكفر (بالتضعيف). ويعني التكفير اتهام الآخر بالإلحاد والزندقة والمروق والجحود، خاصة إذا كان هذا الآخر قد أشرك بالله، وارتد عن الإسلام، أو لم يؤمن نية أو قولا أو فعلا بأصول الدين ، ولم يتمثل ما أوجب الله عليه من أركان الإسلام الخمسة، أو جعل مع الله ندا كأن يكون ولدا أو شريكا في الألوهية. وغالبا ما يرتبط الكفر بدار الحرب. في حين، يقترن الإيمان بدار الإسلام. و في هذا الصدد، يقول ابن منظور في (لسان العرب) في مادة كفر:" كفر : الكفر : نقيض الإيمان ، آمنا بالله وكفرنا بالطاغوت ؛ كفر بالله يكفر كفرا وكفورا وكفرانا . ويقال لأهل دار الحرب: قد كفروا أي عصوا وامتنعوا . والكفر : كفر النعمة ، وهو نقيض الشكر . والكفر : جحود النعمة ، وهو ضد الشكر . وقوله تعالى : إنا بكل كافرون. أي: جاحدون . وكفر نعمة الله يكفرها كفورا وكفرانا وكفر بها : جحدها وسترها . وكافره حقه : جحده . ورجل مكفر : مجحود النعمة مع إحسانه . ورجل كافر : جاحد لأنعم الله ، مشتق من الستر ، وقيل : لأنه مغطى على قلبه . قال ابن دريد : كأنه فاعل في معنى مفعول ، والجمع كفار وكفرة وكفار مثل جائع وجياع ونائم ونيام ...

ويعني التكفير الذل والخضوع . وأكفرت الرجل : دعوته كافرا . يقال: لا تكفر أحدا من أهل قبلتك. أي: لا تنسبهم إلى الكفر. أي: لا تدعهم كفارا ، ولا تجعلهم كفارا بقولك وزعمك. وكفر الرجل : نسبه إلى الكفر..."[3]

ويتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن التكفير هو اتهام الآخرين بالكفر والإلحاد إما ظلما وجورا وظنا، وإما حقيقة وتبينا وتوقفا. وقد اتخذ التكفير عند بعض الجمعيات والفرق الإسلامية السياسية والدينية، قديما أو حديثا، سلاحا مضادا لمواجهة السلطة وحكامها والمتعاونين مع أنظمة الجور والبغي والفساد، كما اتخذ أيضا سلاحا حادا ضد المجتمع والأفراد والملل والنحل والمجتمعات الغيرية المقابلة.

أسبــاب التكفيــر:

ثمة مجموعة من الأسباب والدواعي التي تدفع الإنسان إلى تكفير الإنسان الآخر منها: عدم فهم الدين فهما حقيقيا بمراعاة مقاصده القريبة والبعيدة، أو التوقف عند ظاهر النص دون استنطاق دلالاته العميقة. علاوة على الاختلافات السياسية بين الفرق والجماعات الإسلامية، وتناقض مصالحها ، وتضارب أهوائها الإيديولوجية، وفهم الأمور الدينية والواقعية والسياسية فهما سطحيا، دون التعمق في حيثياتها الحقيقية، والغلو والتطرف في الدين، وعدم التسامح والتعايش مع الشعوب المخالفة للمسلمين، والإسراف في التحريم، والتباس المفاهيم، والاشتغال بالقضايا الجانبية بدلا من الاهتمام بالقضايا الكبرى ، والتسرع في الأحكام الدينية والفقهية، وعدم التروي في ذلك، وضعف البصيرة بالدين، ناهيك عن الجهل، والابتداع، واتباع الهوى، ومنع حرية التدين، والغلو في فهم معنى الجهاد...[4]

سيــــاق التكفيــــر:

من المعروف، أن ظاهرة التكفير قديمة في تاريخنا العربي الإسلامي، فقد بدأت بتكفير المشركين والمنافقين في عهد رسول الله (صلعم)، وتكفير مانعي الزكاة والمرتدين في عهد أبي بكر الصديق ، وتنامت هذه الظاهرة مع ظهور الفرق الكلامية سيما فرقة الخوارج التي كانت تكفر الناس، بعد رفضها لمبدإ التحكيم حين الانتهاء من موقعة صفين، فخرج هؤلاء عن علي بن أبي طالب، وأسسوا فرقة خاصة بهم تسمى الحرورية، وكان أميرهم هو عبد الله بن وهب الراسي. بيد أنهم انقسموا إلى عشرين فرقة، وقد كان تكفيرهم ذا طابع سياسي أكثر مما كان طابعا دينيا؛ لأنه يتعلق بقضية الإمامة أو الخلافة. وقد كفروا عثمان بن عفان، وطلحة ، والزبير، وعمرو بن العاص، وأبا موسى الأشعري، ومعاوية بن سفيان، و" كل من رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، وأوجب الخوارج الخروج على السلطان الجائر وقتاله.وعلى هذا فإن آراءهم هذه، إنما تجعل منهم فرقة سياسية، ولكنهم أضافوا إليها نظرات حول حقيقة الإيمان وشروطه فقالوا: إن الأعمال جزء مكمل للإيمان.فمن يرتكب ذنبا (أي كبيرة من الكبائر) يعتبر مرتدا وكافرا، بل لقد أوجبت الأزارقة قتله مع أولاده ونسائه."[5]

وقد ناقشت الفرق الكلامية قضية تكفير مرتكب الكبيرة هل يخلد في النار أم لا؟ وتباينت آراء الخوارج والشيعة والمرجئة في ذلك بين متشدد كالخوارج، ومتساهل كالمرجئة. بل قد ناقشته المعتزلة والأشاعرة حينما تناولتا قضية مرتكب الكبيرة وموقف الشرع منه. وفي هذا الصدد، يقول الدكتور محمد علي أبو ريان:" وعلى هذا فإننا نرى كيف أن نشأة هذه الفرق الأولى في الإسلام إنما كانت بسبب سياسي أولا، ولم تلبث هذه الفرق أن كفرت بعضها بعضا نتيجة لتفسير كل منها لمدلول الإيمان، وعما إذا كان أمرا قلبيا محضا أم مرتبطا بالعمل. فكفرت الخوارج مرتكب الكبيرة بل أباح بعضهم دمه، وأرجأت المرجئة الحكم عليه إلى يوم القيامة.أما المعتزلة، وإن كانت معظم مباحثهم تدور حول مسائل الأصول ، إلا أنهم اتخذوا موقفا معينا بصدد مشكلة مرتكب الكبيرة، فقالوا: إنه في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان."[6]


ويتبين لنا، من هذا كله، بأن نشأة الفرق الكلامية في تاريخ الفكر الإسلامي كان منطلقه التكفير السياسي الذي غلف بقناع التكفير الديني.

هذا، وثمة حديث نبوي يشير إلى ما يسببه الخلاف من مشاكل سياسية ودينية بين الفرق والملل والنحل في منظومتنا الفكرية العربية الإسلامية، خاصة مشكل التكفير الذي يتخذه الفرد أو الجماعة سلاحا يوجه ضد الآخر على أساس أنه على حق وصواب، وآن الآخر على كفر وضلال وخسران. وفي هذا الصدد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. [7]

وهناك من يشك في صحة هذا الحديث؛ لأنه يوجد أيضا لدى اليهود والمسيحيين بهذا التحديد، كما يثبت ذلك الدكتور محمد علي أبوريان في كتابه( تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام)[8].

هذا، وقد استخدم الغزالي مبدأ التكفير في كتابه (تهافت الفلاسفة)، حيث كفر الفلاسفة المسلمين في ثلاث مسائل ، وبدعهم في سبع عشرة مسألة. وهذه المسائل الثلاثة هي: قولهم بأزلية العالم ، وإنكارهم لمعرفة الله للجزئيات، وإنكارهم لحشر الأجساد. بيد أن ابن رشد قد فند ماذهب إليه الغزالي، ودافع عن الفلاسفة في كتابه(تهافت التهافت) ، وبرأهم من تهمة التكفير.

ولم يقتصر التكفير على الفلاسفة فحسب، بل كفر الناس كذلك المتصوفة سيما الفلاسفة منهم، مثل: الحلاج الذي قال بالحلولية، بل كفروا كذلك الأدباء والمفكرين الزنادقة من أهل الفرس الذين ينتمون إلى الطائفة المانوية إبان العصر العباسي، و منهم: بشار بن برد، و أبو نواس، و أبو العتاهية، و ابن المقفع، و ابن الراوندي، وأبو عيسى الوراق...

هذا، وقد تردد مصطلح الزندقة والإلحاد في العصر العباسي أكثر من مصطلح التكفير . ويلاحظ أنه كان يمس الأدباء والشعراء والفلاسفة والمتصوفة والمثقفين أكثر مما كان يمس عامة الناس. وقد اتهم ابن رشد في الأندلس بالإلحاد والزندقة ؛ لأنه كان يشتغل بالفلسفة والمنطق، ومن " تمنطق تزندق" كما يقول الغزالي. لذا، شن الفقهاء على ابن رشد حملة شعواء، فأحرقوا كتبه ومؤلفاته باسم التكفير. وفي الوقت نفسه، كانت أوروبا تقرأ الفلسفة الرشدية باعتبارها دعامة أساسية لبناء نهضتها الحضارية في ضوء العقلانية المنطقية والبرهانية .

بيد أن الزندقة قد تحولت في عصرنا هذا إلى تكفير للأعلام والمثقفين والأدباء في زمن التفكير، كما هو الحال مع حسن الترابي، وأحمد البغدادي، وحمزة المزيني، وأحمد الحبيشي، و فوزي الشيبي، ونصر حامد أبي زيد، ومحمد أركون، وجمال البنا، والروائي حيدر حيدر، وأدونيس، ومحمد شكري، ونجيب محفوظ... واللائحة طويلة جدا.


[1] - محمد قطب: جاهلية القرن العشرين، دار الشروق، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة1980م.

[2] - نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، دار سينا للنشر القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1995م.

[3] - ابن منظور: لسان العرب، مادة الكاف،دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص، 114.

[4] - حماد عبد الجليل البريدي: التحذير من الغلو في التكفير، دار ابن الجوزي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2006م، صص:33-40.

[5] - د.محمد علي ابوريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1976م، ص:125.

[6] - د.محمد علي ابوريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، ص:127.

[7] - رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.

[8] - د.محمد علي ابوريان: نفسه، ص:115.

partager




اسمك: البريد الإلكتروني:



خارج المدار
ويتواصل كشف حقيقتها.. خمور وأفلام جنسية في مقر أمير داعشي.. "فيديو"

تظهر وجود مشروبات كحولية وأفلاماً جنسية وذلك بعد اقتحام مقره التي سيطرت عليها "الجبهة الإسلامية" قبل أيام

مآل رؤساء أمريكا.. ضبط جورج بوش متلبسا بتعاطيه الكوكايين

حاول "بوش" رشوتهم لتفادي القبض عليه وعندما فشل بمحاولاته اتجه للتهديدات

دراسة: تزايد مشاعر كراهية الأمريكان للعرب والمسلمين

كبار السن هم أكثر الفئات تبنيا للمشاعر السلبية تجاه العرب والمسلمين



رأي الهدهد
حاجيتكم على "العين".. عندو مع العربية مشكيل وبغا يفرض الدارجة بالتريكيل

حاجيتكم وماجيتكم على "العين"، و"العين" عينو كبيرة، ما يعرف يفرق بين الليبة ولا التقشيرة.. إسمو معروف بحال الحلفة مع الصوف.. العربية عندو معاها مشكيل، والدارجة بغا يفرضها غير بتريكيل، كايقولو راجل مفشش، ما يحشم ما يرمش

نخبر زوارنا الكرام أنه تم تغيير البريد الإلكتروني للهدهد الذي أصبح هوazinddine80@gmail.com

...


...
ضيف وقضية Suite
بحث في الموقع


تحقيق
الساخرة
آراء
كل عيد والعاصمة الرباط بلا فرح
لكبيري أحمد   


ملاحظات على خطاب الملحمة
عبدالعزيز العبدي   


” المغرب المشرق”: عودة ملاحم الوهم !
منتصر دوما    


الحركة الأمازيغية من منظور أكاديمي
أوعلي عبد الكريم   


شجرة الزيتون التي تخيف
معمر حبار   


الخسائر البشرية الإسرائيلية بين الحقيقة والخيال
مصطفى يوسف اللداوي