شعيـب حليفي والصورة المرجعيــــــة

الثلاثاء 10 ديسمبر 2013, 21:00

شعيب حليفي

  • zoom in
  • zoom out
  • bold


الدكتور جميل حمداوي



لم يكن الباحث والناقد المغربي شعيب حليفي بعيدا أو منعزلا عن مجال الصورة الروائية أو بلاغة الصورة السردية، على الرغم من انشغالاته بالسرد بصفة عامة، والعتبات بصفة خاصة. لذا، فقد خاض فيها كما خاض فيها باقي الدارسين، أمثال: محمد أنقار، وحميد لحمداني، ومحمد مشبال، وشرف الدين ماجدولين، ومصطفى الورياغلي، وعبد الرحيم الإدريسي، ومحمد العناز، وجميل حمداوي، والبشير البقالي ويكمن اهتمام شعيب حليفي بالصورة السردية في كتابيه (هوية العلامات)[1] و(مرايا التأويل)[2]، سيما مقاليه القيمين: (الصورة والمرجع) ، و(بلاغة الصورة في السرد)... ويعني هذا أن شعيب حليفي كان ينوع نقوده ودراساته الأدبية والوصفية، فلم يكتف بالإبداع فقط، بل كان ينتقل بين شعرية السرد والسيميائيات والنص الموازي وبلاغة السرد، فكان يجرب جميع الأدوات والآليات النقدية بغية الوصول إلى ما يقنعه نظريا وتطبيقيا.

إذاً، ما تصور شعيب حليفي حول بلاغة الصورة السردية نظرية وتطبيقا؟ وما مميزات منهجه في التعامل مع الصورة السردية بصفة عامة، والصورة الروائية بصفة خاصة؟ هذا ما سوف نستجليه في موضوعنا هذا.

بلاغة السرد أو بلاغــــة الصورة الروائية:

يتناول شعيب حليفي ، في كتابه (هوية العلامات) ، الصورة السردية في روايات المبدع المصري بهاء طاهر، بالتوقف عند مجموعة من نصوصه الروائية بالدراسة والبحث والنقد والتحليل والتقويم، مبينا علاقة الصورة بالمرجع، خاصة في روايته (الحب في المنفى)[3]...

ويعني هذا أن شعيب حليفي يربط رواية (الحب في المنفى ) بصورة الحب المفقود التي تتفاعل مع مرجعها تفاعلا عضويا في إطار كلي عام. وفي هذا الصدد، يقول شعيب حليفي:" تبحث (الحب في المنفى) عن صور لنمو حب مهجور في حقول التمزق والإحباط تلتقطه من حكاية يرويها راو خبير في التذكر والتصوير، وأيضا من تحرير الضمير النحوي(المتكلم) من ضيق دائرته وتوسعه في شكل قنوات تخلق سرودا من الداخل لتفسح للأصوات فرصة إمكانية البوح بأوجاعها عبر الاعتراف والمنولوغ والرسالة، مما جعل السرد بؤرة تصهر الأزمنة والأحلام بالتقارير والخطابات المتوترة، إلى جانب الفيض الوجداني الفادح ومشاعر العشق والتطهر بجوار العبث والسخرية، والاستدراك العاجز الذي أفضى إلى سرود متراكبة من مرايا متجاورة، تفسح المجال المجاور للحوار والاسترجاع كمكونين يحفران نفقا يغذي التيمة ويؤدي إلى انشطارها وتفتتها ثم رتقها والتحام أجزائها من جديد. الشيء الذي يمد الرواية بأدوات جعلت من الشخصيات وباقي المكونات عناصر تتحرك بشكل حيوي يحقق للرواية فرادتها، ويطرح عدة قضايا لمقاربتها وفق زوايا نظر في التناول؛ ويبدو أنه من بين المكونات المهيمنة التي تؤطر (الحب في المنفى) الصورة والمرجع واندراجهما في إطار بنية الأسلوب والدلالة وتفاعل كل ذلك مع النسيج الفني العام للرواية."[4]

هذا، ويعرف الباحث الصورة تعريفا مفتوحا على مفاهيم عدة مرتبطة بالإبداع والتأويل والبلاغة والفلسفة والأسلوب.بيد أن الباحث يأخذ بمفهوم ستيفان أولمان في تعريفه للصورة السردية على أنها استرداد للتجربة الماضية، وأنها كذلك أسلوب وبلاغة، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابه (الصورة في الرواية)[5].ومن ثم، تقترن الصورة السردية في رواية بهاء طاهر بالمتخيل والمرجع على حد سواء. و" تختزن الصورة في الرواية وعيا بالعالم الذي تمثله أو تتخيله، بحيث إن تراكب النصيصات الصغرى وتفاعلها في مسار حكائي واحد يرتبط بوعي وفعل الراوي، يرسم صورا ترتق أثر المتخيل والمرجع، وتشكل نسقا وعلامات تتفتح على التأويل، باعتبار الصورة شكلا بلاغيا ورمزيا داخل البناء السردي الذي يروم فهم العالم...فتصبح إستراتيجية سردية محفزة داخل تشكل المكونات الأخرى وطريقة في الكلام وأداة للفهم وللتواصل.فكل صورة ترتبط بالذاكرة وخلفياتها القاعدية المتصلة بالإدراك تعتبر هوية نسقية في ذهن الراوي الذي يعمد إلى التحكم في سروده ، ويدرك الأبعاد التمثيلية للدلالات. وبالتالي، تتجه الصورة إلى تشكيل إدراك يتشرب تلاقح ثقافة الراوي بأوعاء شخوصه ومتلقيه، استنادا إلى اختيار الوجوه البلاغية وأدواتها وآلياتها المنتجة للفهم والتأويل."[6]

ويعني هذا أن الصورة السردية، بمعناها الفلسفي والمرجعي، هي رؤية للعالم، وتقترن هذه الصورة بمتخيلها الفني والجمالي من جهة، وبمرجعها الذاتي أو الواقعي من جهة أخرى. كما أن الصورة آلية لتأويل الإبداع وتمثله. وفوق ذلك كله، فهي أداة للتواصل مع الآخر، وآلية إجرائية لفهم العالم الذي يحيط بالراوي، وتقنية أساسية لإدراك مصائر شخصيات الرواية.علاوة على ذلك، تؤدي الصورة الوظيفة التمثيلية والإدراكية للعالم، وتصبح أداة فنية وجمالية وثقافية وبلاغية وأسلوبية لتفتيق الذاكرة واسترجاعها.

ومن هنا، فالصورة" إدراك منفتح على العالم والأشياء من منظور وعي الراوي الذي يلجأ إلى استيفاء القصد والقصد المخادع، وإلى صيغ تنكرية في أشكال أدبية وفنية ، وإلى صياغات تراوح بين التنكر والقناع تنويعا لإيجاد صيغ الفهم والإدراك، وإرواء الحكي وإضفاء نسق جمالي على السرد، لتكسير خطيته المشبعة بالتزمن. في سياق هذا المنحى الفني والجمالي، تتعمق الدلالة، ويتم الانخراط في تشكيل وعي جمالي يفسح المجال لسياقات في التخييل والتأمل والتعليق، وكذلك إثراء الجملة السردية بالاحتمال والتعدد مما يطور مستوى الحكي بتشييدات تؤول معطيات الذات والعالم، وتنفتح على الحكي، مادامت الصور تولد من التاريخ والذات، ومن عناصر أخرى."[7]

وهكذا، ينظر شعيب حليفي إلى الصورة من منظور ظاهراتي (فينومينولوجي)، عندما يربط الصورة بالذات والعالم عبر فعل الوعي والقصدية ، من خلال انفتاح الصورة الروائية على الذات والعالم والمرجع والمتخيل على حد سواء. كما تهدف الصورة إلى فهم المرجع وإدراكه وتأويله وتفسيره، والتواصل معه. كما تؤدي الصورة وظيفة سردية وفنية وجمالية وتخييلية.

وعليه، تتميز الصورة، عند بهاء طاهر ، بالاختزال والتكثيف والمشهدية والتنوع والثراء. وفي هذا النطاق، يقول الباحث:"عند بهاء طاهر تكتسب الصورة في رواية (الحب في المنفى) خصوصياتها من خلال بنيتها المكثفة التي تنحو إلى الاختزال والرغبة في المشهدية. من ثمة، فهي صورة تعتمد المقارنة وتخيل الجملة والجنوح إلى الإيحائية ولعبة المرآة في التوصيف، وكأن الصورة بهذا المعنى رسم للأثر وتخزين مكثف للأحاسيس والمشاعر وللتعالقات الإحالية والإنتاجية تلتقط الانطباع والصدى والموقف في آن، لأنها غير محايدة، ولكنها أيضا تتخفى في التذويت، كمبدإ يستجيب لنوعية وطبيعة الصورة في التلفظ والسياق.إنها صورة مرتوية بالحنين والاقتراب من النفس الوجداني، مثقلة في العمق بترسبات ملتبسة للذات والواقع بخصوصياتها السابقة فتبدو انفعالية ذات أفق متجذر في مرايا متجاورة تقود لبعضها البعض، وتعمل على الإضاءة والتشريح، وكأنها بذلك جزءا من بين أدوات الخطاب الانفعالي الأكثر قوة وتأثيرا الأمر الذي يجعلها مكونا قائما ضمن نسيج من التفاعلات التي تحفل بها السرود الممتدة في الوجدان والراهن بصور متلاحقة تختفي تدريجيا في الاسترجاعات والتقارير، ولكنها، في المحصلة ترتسم قطبا يجتذب كل مفاصل النص."[8]

هذا، وتتجمع صور الرواية في نوعين كبيرين من الصور: الصور الإستراتيجية والصور الثقافية. فوظيفة الصور الأولى تنظيمية.أي:" تشغل وظيفة تنظيم السرد والتيمات الموجهة باعتبارها مكونا أساسيا ضمن مكونات الأسلوب الذي يضفي حيوية على السرد وحسية في التمثيل من خلال ارتباطه بذات الراوي والذوات الأخرى التي تكمله وتنتج العلاقات معه"[9].

وتتفرع عن هذه الصور الإستراتيجية مجموعة من الصور الصغرى، مثل: الصورة العاكسة لذات الراوي أو السارد الذي يقدم أحداث المحكي. وتسمى أيضا بصورة الراوي الذي يتحكم في المحكي، ويوجه دفة الرواية. ويقدم صورا عن ذاته وصورا عن الآخر على حد سواء. وتتسم صورة الراوي بالعجز والخيبة والفشل وثقل ذكريات الماضي، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على تشظي الواقع، واختلال القيم، وانعدام التوازن، وانحسار التواصل. بمعنى أن صورة الراوي مختلة وغير متوازنة. وينطبق هذا الحكم على صورة الآخر الذي يعاني من الخراب الداخلي والانبطاح الكينوني والنفسي والوجودي. كما يستعين الراوي بالصور السينمائية المشهدية في تقديم الشخصيات، وهي تتحرك فوق ركح الأحداث المسرودة في الرواية، بعيدا عن التوصيف الساكن الرتيب. كما ركزت الرواية ، في تقديمها للشخصيات المرصودة، على صورة الصوت، وصورة الوجه، وصورة ( برجيت) الشخصية الرئيسية في الرواية التي تتولد عنها باقي الصور الشخوصية الأخرى.

أما النوع الثاني من الصور ، فهي الصور الثقافية، فقد " تجسدت في طبيعة الصور الخاصة بالمكان، وبالمدينة الأوروبية وخصوصا المقهى، باعتبارها فضاء لأحداث شتى، بالإضافة إلى صور النهر الذي رسم عمقا ثقافيا داخل الرواية في لحظات جذوة الصبوات.[10]"

وتتميز الصور الثقافية بأنها صور متوازنة مقارنة بالصور الإستراتيجية الأولى ، مادمت تركز على الطبيعة ومظاهرها الشاعرية التي تمثل بديلا عن حياة مختلة عاشها الراوي مع طليقته.

وهكذا، تساهم الصورة الروائية في رواية (الحب في المنفى) في تخصيب المتخيل، وإثراء المرجع الذاتي والغيري. ومن ثم، تساهم "في بناء المتخيل الروائي وإغناء الأبعاد والمستويات السردية عبر تكثيف الجملة، وإغنائها بتوهج حسي مرفود بانفتاح على الموقف الذي يراد تبئيره أو تفعيله. كما تحضر خاصية تكثيف التجربة والرؤى، والتقاط الآثار المتبلورة والتأملات العميقة للحفر عن معرفة وتشخيص لاتضاهى دفتهما في سبر تضمينات الأشياء البسيطة، وتثبيت انطباع زائل، وتحليل التجارب المعقدة أو التعبير عما يتعذر وصفه، فترتبط باستمدادات من مصادر تكشف عن وعي الراوي الذي يحيل على مراجعه النصية ."[11]

هذا، وترتبط الصورة الروائية، عند بهاء الطاهر، بمجموعة من المراجع، كمرجع الذات، ومرجع الاعتراف. فمرجع الذات" يؤسس لرؤية انتقادية وساخرة من الأنا والآخر والعالم. وهي رؤية أفرزتها سجلات علاقة الراوي بذاته وبالآخرين، فجاءت مذوتة ومرتوية من قنوات معجمية من قبيل: الفشل، والإحباط، والعجز، والتلاشي، وكلها وحدات عكست حالة السخرية والعبث واللامبالاة كمرجع مفتوح على النفس والعالم."[12]

أما مرجع الاعتراف، فيرسم" خطوطا متشابكة ودوائر جديدة تضيء مرجع الذات المتشكل من صراع الأوعاء والأصوات في لحظتي الماضي والحاضر ، فيجيء الاعتراف مرجعا لإثراء الحكي، وترسيم ما يسم الراهن لشخوص روائية مشتغلة بماضيها الخاص والعام، وتحيا الحاضر على صدى خراب نفسي.[13]"

وتأسيسا على ما سبق، لم يركز شعيب حليفي على الصورة في بعدها البلاغي والجمالي والتخييلي، بل اهتم بالصورة في بعدها التمثيلي والمرآوي والمرجعي. ومن ثم، تختلط، عنده، الصورة بالتيمة والموضوع والمرجع والإدراك والتأويل الذهني. وبذلك، فهو لا يخرج عن باقي الدارسين والباحثين الذين يعتبرون الصورة الأدبية نقلا للواقع وانعكاسا لما يجري في المرجع الخارجي. وفي هذا، يقول شعيب حليفي في بعض نقطه العشر:" مبدأ التمثيل وقد عكسته الصورة، بمستوياتها المجازية الشاعرية والعنيفة، انعكاسا لحركة الرواية ونفسية الراوي اعتمادا على صور تغيت إنجاز المشهدية وتوليد الحكي، بحيث تمظهرت الصورة بشكل مفتوح في وجه استثمارات دلالية."[14]

ويتبين لنا ، من هذا كله، بأن الصورة الروائية، عند شعيب حليفي، صورة مرجعية وتمثيلية، ومرآة عاكسة للذات والواقع من جهة، وللآخر والعالم من جهة أخرى. والآتي، أنها تعكس لنا وعي الراوي والشخصيات، وتقدم لنا رؤية إلى العالم، سواء أكانت رؤية مختلة أم رؤية متوازنة.

أما في مقاله (بلاغة الصورة في السرد)، فقد تعرض شعيب حليفي إلى أسئلة الصورة الروائية، من خلال التوقف عند سليم بركات في روايته (موتى مبتدئون)، وحبيب عبد الرب سروري في روايته (طائر الخراب)، وصالح السنوسي في روايته (حلق الريح)، وروايات صلاح الدين بوجاه كــ(النخاس ) (وسبع صبايا). بيد أن ما يلاحظ على شعيب حليفي أنه يتعامل مع النصوص السردية في ضوء البلاغة الشعرية، فمازال يتحدث عن الاستعارة ، والمجاز، والكناية، والرمز.بمعنى أنه لم يتخلص بعد من البلاغة الكلاسيكية، على الرغم من نبشه في بلاغة السرد والصورة الروائية. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" منذ روايته الأولى (فقهاء الظلام) والممهد لها- من قبل- بنصين سرديين: (الجندب الحديدي) و(هات النفير عن آخره) ، إلى روايته موتى مبتدئون، يدون سليم بركات الاستعارة الكبرى، تمتح صورها الهادرة مطعمة بشعرية تخرق القواعد الأجناسية وتجدد في مرايا البلاغة بسيول من مجازات وكنايات وتشبيهات لاتحيد عن تيمة الشمال الكردي السوري، والذي ورث عنه سليم بركات منجما لا ينفذ من المتخيل، أو من فضاءات المنفى، قبرص والسويد. وبعد ثلاثة عقود عن نص (فقهاء الظلام) يكتب سليم بركات (موتى مبتدئون) مختطا نفس السبيل في ابتداع صور استعارية ضمن فلسفة لغوية وسردية ذات قدرة متجددة على تنشيط التأويل والتقاط أفكار أزلية (الموت والموتى) إلى جنب قضايا جزئية وعابرة، ولكنها تؤثث فضاء الألغاز في الكائنات الطبيعية أو ما يفرزه المنفى من صور طارئة."[15]

فعلى الرغم من كون شعيب حليفي يتناول ، في مقاله هذا، بلاغة السرد والصورة الروائية، إلا أنه مازال يستعمل آليات البلاغة الشعرية من تشبيهات، واستعارات، وكنايات، ولا يوسع بلاغته السردية لتشمل الأنواع الأخرى من الصور.

التصـــور المنهجي:

من المعلوم، أن معيار الصورة الروائية – كما عند محمد أنقار[16]- يستند إلى مجموعة من الخطوات المنهجية التي تتمثل في تحليل الصورة الروائية ضمن إطار كلي عام، من خلال التوقف عند مجموعات من السياقات، مثل: السياق الجنسي، والسياق النوعي، والسياق النصي، والسياق الذهني. وبتعبير آخر، يستعين الباحث بآليات الطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية، وقواعد الجنس، ومراعاة السياق النصي، وتمثل السياق الذهني. ومن جهة أخرى، يرتكز معيار الصورة الروائية على المكونات والسمات معا. فالمكونات هي العناصر الثابتة في السرد، كالأحداث، والشخصيات، والفضاء، والرؤية، واللغة. أما السمات فهي مميزات قد تحضر و تغيب، مثل: سمة الشاعرية، وسمة التعجيب، وسمة السخرية، وسمة الواقعية...ويشكل هذا كله ما يسمى بالصورة الروائية.

أما شعيب حليفي، فلم يتعامل مع الصورة الروائية كما تعامل معها محمد أنقار في كتابه( المغرب في الرواية الاستعمارية الإسبانية)، بل تعامل معها في ضوء البلاغة الكلاسيكية، حيث يستخدم ، في مقاليه ، أدوات البلاغة الشعرية وصورها البيانية. بمعنى أن الباحث لم يوسع الصورة السردية لتشمل أنواعا أخرى معروفة أو يستنبطها من داخل النصوص الروائية. وفوق ذلك كله، فقد ربط الصورة السردية بالمرجع الذاتي والواقعي، وإن كان في كتابه (مرايا التأويل) قد تعامل مع الصورة الروائية في ضوء البلاغة السردية، لكن من خلال بلاغة شعرية غير موسعة. والدليل على ذلك استخدام صور البيان كما في البلاغة التقليدية، ولم يتحرر من إسارها بعد. ويعني هذا أن الباحث قد نقل مفاهيم البلاغة إلى حقل السرد، دون تغيير رؤيته، واستبدال أدواته التي تحتاجها البلاغة الجديدة الموسعة. ومن الشواهد الدالة على هذه الرؤية الضيقة ما قاله الباحث حول بلاغة الصورة الروائية:" إذا كانت مباحث بلاغة الصورة قد اجتهدت في تحليلاتها انطلاقا من نصوص شعرية مع إهمال النصوص السردية، فإن الدراسات الحديثة اتجهت للتنقيب عن الصورة في الرواية بشكل مباشر أو عبر قنوات أخرى، ترصد التطور الروائي من خلال اللغة والمتخيل عموما.

تحقق الصورة بلاغتها في الرواية العربية، ويمكن أن تكون مدخلا لقياس درجة التطور الروائي انطلاقا من مجموعة مؤشرات نصية بلاغية ، فقد كانت النصوص الأولى في مجموع العالم العربي مشدودة إلى متخيل لم ينضج بعد، تستعير بلاغتها- في توظيفات ملتبسة- من الأشكال التعبيرية المسيطرة آنذاك. لكن التطور الذي عرفه التعبير الروائي في العقود الأخيرة ، وجعل من النص الروائي خطابا في الواجهة الثقافية، حقق بلاغته واستطاع أن ينحت معجمه، ويبني صوره ضمن دينامية ثقافية مفتوحة على تآويل وهويات، كما أصبح الاشتغال على بلاغة الصورة مدخلا إستراتيجيا لبلاغة المعنى، بالتأسيس لاستعارة متحولة تستولد التأويل، وتنتج نسائج متقاطعة من المعارف والمتع."[17]

وعلى الرغم من وعي الباحث ببلاغة السرد أو بلاغة الصورة الروائية، فإن تطبيقاته تدل على كونه لم يتخلص- بعد- من مفهوم الصورة الشعرية وبيانها التصويري.

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن شعيب حليفي قد انضم، بشكل من الأشكال، إلى لائحة النقاد والدارسين والباحثين المهتمين بالصورة السردية ، كما يتجلى ذلك واضحا في مقاليه اللذين خصصهما لمبحث الصورة الروائية أو بلاغة السرد.

هذا، وإذا كانت الصورة الروائية عند محمد أنقار في كتابه( صورة المغرب في الرواية الاستعمارية الإسبانية) صورة مقارنة، وإذا كانت الصورة عند حميد لحمداني في كتابه ( أسلوبية الرواية) صورة بوليفونية[18] ، وإذا كانت الصورة عند عبد الرحيم الإدريسي في كتابه(استبداد الصورة) صورة شاعرية، وإذا كانت الصورة عند شرف الدين ماجدولين في كتابه (بيان شهرزاد) صورة حكائية شعبية[19]، وإذا كانت الصورة عند البشير البقالي في دراسته (تشكيل السمات في رواية (صابر المغفل الماكر) صورة روائية طفلية[20]، وإذا كانت الصورة عند محمد العناز في كتابه (الصورة في كتاب البيان والتبين عند الجاحظ) صورة سردية تراثية[21]، وإذا كانت الصورة عند جميل حمداوي في كتابه (بلاغة الصورة السردية) صورة قصصية موسعة[22]، وإذا كانت الصورة عند محمد مشبال في كتابه (الهوى المصري في المخيلة المغربية، قراءات في السرد المغربي الحديث) صورة بلاغية تخييلية[23]، وإذا كانت الصورة الروائية عند مصطفى الورياغلي في كتابه (الصورة الروائية) صورة ميتانقدية[24]، فإن الصورة الروائية عند شعيب حليفي صورة مرجعية وتمثيلية وانعاكسية من جهة، وصورة بلاغية موسعة في إطار البلاغة التقليدية أو البلاغة الكلاسيكية من جهة أخرى.


[1] - شعيب حليفي:هوية العلامات، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2005م.

[2] - شعيب حليفي: مرايا التأويل، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.


partager




اسمك: البريد الإلكتروني:



خارج المدار
مآل رؤساء أمريكا.. ضبط جورج بوش متلبسا بتعاطيه الكوكايين

حاول "بوش" رشوتهم لتفادي القبض عليه وعندما فشل بمحاولاته اتجه للتهديدات

دراسة: تزايد مشاعر كراهية الأمريكان للعرب والمسلمين

كبار السن هم أكثر الفئات تبنيا للمشاعر السلبية تجاه العرب والمسلمين



شبح طفل صغير يسكن مسرحا ويعبث بكراسيه ليلا "فيديو"

كاميرات المراقبة تسجل تحركه ليلا داخل المسرح، ووسيط روحاني يؤكد وجود شبح طفل صغير يلعب في أرجاء البناية.



رأي الهدهد
حاجيتكم على "العين".. عندو مع العربية مشكيل وبغا يفرض الدارجة بالتريكيل

حاجيتكم وماجيتكم على "العين"، و"العين" عينو كبيرة، ما يعرف يفرق بين الليبة ولا التقشيرة.. إسمو معروف بحال الحلفة مع الصوف.. العربية عندو معاها مشكيل، والدارجة بغا يفرضها غير بتريكيل، كايقولو راجل مفشش، ما يحشم ما يرمش

نخبر زوارنا الكرام أنه تم تغيير البريد الإلكتروني للهدهد الذي أصبح هوazinddine80@gmail.com

...


...
ضيف وقضية Suite
بحث في الموقع


تحقيق
الساخرة
آراء
الحركة الأمازيغية من منظور أكاديمي
أوعلي عبد الكريم   


شجرة الزيتون التي تخيف
معمر حبار   


الخسائر البشرية الإسرائيلية بين الحقيقة والخيال
مصطفى يوسف اللداوي   


عبد الرحيم العطري سوسيولوجي أم شواف؟!
عبد الله زارو   


بالدارجة: تريدون التضامن مع فلسطين قفلوا الفاسبوك...
زهور باقي   


فلوس اللبن يديهم زعطوط
سعيد الحنبلي